أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
216
العقد الفريد
وكان عبد اللّه بن مروان تزوج أم يزيد ابنة يزيد بن محمد بن مروان ؛ وكانت في الحبس ، فلما أخرجهم العباس خرجت إلى مكة فأقامت بها ، وقدم عبد اللّه بن مروان سرّا فتزوجها . وقال مولى مروان : كنت مع مروان وهو هارب ؛ فقال لي يوما : أين عزبت « 1 » عنا حلومنا في نسائنا ؟ ألا زوّجناهم من أكفائهن من قريش فكفينا مئونتهن اليوم . وقال بعض آل مروان : ما كان شيء أنفع لنا في هربنا من الجوهر الخفيف الثمن الذي يساوي خمسة دنانير فما دونها : كان يخرجه الصبي والخادم فيبيعه ، وكنا لا نستطيع أن نظهر الجوهر الثمين الذي له قيمة كثيرة . وقال مصعب بن الربيع الخثعمي كاتب مروان بن محمد : لما انهزم مروان وظهر عبد اللّه بن علي على أهل الشام ، طلبت الإذن ؛ فأنا عنده جالس وهو متكئ ؛ إذ ذكر مروان وانهزامه فقال : أشهدت القتال ؟ قلت : نعم أصلح اللّه الأمير . قال لي مروان : احزر « 2 » القوم . فقلت : إنما أنا صاحب قلم ولست بصاحب حرب . فأخذ يمنة ويسرة فقال لي : هم اثنا عشر ألف رجل . وقال مصعب : قيل لمروان : قد انتهب بيت المال الصغير ! فانصرف يريد بيت المال ، فقيل له : قد انتهب بيت المال الأكبر ، انتهبه أهل الشام . وقال أبو الجارود السلمي : حدثني رجل من أهل خراسان قال : لقينا مروان على الزاب ، فحمل علينا أهل الشام كأنهم جبال حديد ، فجثونا على الرّكب « 3 » وأشرعنا « 4 » الرماح ، فزالوا عنا كأنهم سحابة ، ومنحنا اللّه أكتافهم وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا ، فبقي عليه رجل من أهل الشام ، فخرج إليه رجل منا ، فقتله الشامي ؛ ثم خرج إليه آخر ، فقتله ؛ حتى والى بين ثلاثة ؛ فقال رجل منا : اطلبوا لي
--> ( 1 ) عزب : بعد وخفي . ( 2 ) أحزر القوم : قدّرهم حقّ قدرهم . ( 3 ) الركب : جمع ركبة . ( 4 ) أشرعنا الرماح : سدّدناها .